الزاوية القادرية البودشيشية والتصوف في خدمة التنمية الروحية وترسيخ الثوابت الدينية والوطنية

إعداد: أيمـن المختـاري رئيس الهيئة الأكاديمية الاستشارية بمركز العمران الحضاري للثقافة والعلوم
في زمن اشتدت فيه موجات القلق وارتفعت فيه وتيرة التوتر النفسي بات الإنسان في حاجة ماسة إلى فُسَح من السكينة يستعيد فيها معاني التوازن الداخلي والارتباط بما يتجاوز ظاهر الحياة اليومية ومن بين الفضاءات التي أسهمت عبر العقود في إحياء هذه الحاجة وتلبيتها بأسلوب سلوكي وتربوي عميق تبرز الزاوية القادرية البودشيشية التي تنتمي إلى المدرسة الصوفية المغربية ذات الجذور الروحية والعلمية الراسخة
وقد عرفت الزاوية إشعاعًا مميزًا بفضل مشايخها الذين حملوا الأمانة التربوية بروح المسؤولية واللطف والمحبة فكان الشيخ سيدي حاج العباس يجسد روح التواضع وحكمة التوجيه والتربية بالصمت والمجالسة وكان الشيخ سيدي الحاج حمزة القادري بودشيش عنوانًا على السكينة الروحية والرحمة الواسعة ومنهجه التربوي جذب القلوب من مختلف أقطار العالم بأسلوب يجمع بين الصفاء والبساطة أما الشيخ سيدي جمال الدين القادري بودشيش فقد واصل هذا المسار بروح تجديدية جعلت من الزاوية فضاءً حيًا يتفاعل مع قضايا الإنسان المعاصر ويخاطب القلوب بلغة رحيمة تجمع بين الأصالة والانفتاح
في عمق العمل التربوي للزاوية يتجلى التصوف لا كخطاب نظري بل كممارسة يومية تنطلق من تهذيب النفس وتنمية الأخلاق وتُبنى على الذكر والمجالسة وحسن الصحبة فالمريد هنا لا يُطلب منه الخروج من العالم بل الدخول فيه بقلبٍ سليم ورؤية متوازنة وهو ما يجعل التصوف البودشيشي من أبرز النماذج التي تزاوج بين الروحي والمجتمعي وبين العبادة والمواطنة
من هذا المنطلق لا يُمكن فصل الزاوية القادرية البودشيشية عن الثوابت الدينية والوطنية التي تتشبث بها المملكة المغربية فالتصوف الذي تنهل منه الزاوية قائم على العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والسلوك التربوي الذي ينسجم مع المرجعية الدينية الرسمية للدولة القائمة على إمارة المؤمنين ولذلك فإن الزاوية لم تكن يومًا كيانًا منغلقًا بل كانت دائمًا في خدمة الوطن بتوجيه قلوب مريديها نحو طاعة الله ومحبة رسوله والتعلّق بالثوابت الجامعة التي توحّد المغاربة
ويُجسد حضور الزاوية إلى جانب جلالة الملك محمد السادس نصره الله في مختلف المناسبات الوطنية والدينية هذا الانسجام التام بين التربية الروحية والمواطنة الفاعلة فمشايخ الزاوية ومريدوها كانوا دائمًا في طليعة من يجسدون قيم الوفاء والتلاحم والدعاء لأمن واستقرار البلاد والمساهمة في المشاريع المجتمعية بقلوب مخلصة وهمم عالية
أما على مستوى الإشعاع الروحي والعلمي فإن الزاوية عبر تنظيمها للملتقى العالمي للتصوف بمدينة مداغ أصبحت فضاءً جامعًا للباحثين والمفكرين والمربين من مختلف أنحاء العالم حيث تتحول المدينة الصغيرة في أيام الملتقى إلى مركز عالمي للتفكير في قضايا الإنسان والقيم والمعنى وتلتقي فيها مقاربات روحية وعلمية متعددة تجدد الحضور الإيجابي للتصوف في زمن يطغى عليه القلق الوجودي
وفي ظلّ التحولات السريعة التي يعيشها العالم اليوم وما يرافقها من فراغ داخلي واضطراب نفسي أصبحت الزاوية ملاذًا للكثير من الباحثين عن السكينة من مختلف الأعمار والفئات فهي لا تفرض على الداخل إليها إلا حسن النية وصدق التوجه ويكفي للزائر أن يخطو نحو ساحتها حتى يشعر بنوع من السلام الداخلي لا يأتي من المظاهر بل من عمق المعنى والوجوه المبتسمة والقلوب الرطبة التي تفتح ذراعيها لكل من طرق الباب
لقد كانت كلمات الشيخ سيدي الحاج حمزة القادري بودشيش تعبيرًا عن هذه الروح حين قال من أراد الله وجد الباب مفتوحًا ومن طرق باب الذكر بصدق فُتحت له أبواب النور كما عبر الشيخ سيدي جمال الدين القادري بودشيش عن جوهر التصوف حين قال لسنا ندعو إلى طريقة جديدة بل نعيد الاعتبار لقلوب أرهقها المسير وأوشكت أن تنسى أن الروح أصل لا مجرد عرض
هذا الحضور الروحي لا ينعزل عن الواقع بل يُترجم إلى مبادرات تنموية واجتماعية تقوم بها مؤسسة الزاوية القادرية البودشيشية للتنمية التي تُعنى بمجالات محو الأمية والتمكين الاقتصادي والعمل التضامني في انسجام تام مع قيم المواطنة والتضامن والكرامة
وهكذا تستمر الزاوية القادرية البودشيشية في أداء رسالتها بهدوء واتزان ومن غير صخب من خلال التربية على الذكر المحبة السكينة حسن الخلق والتواضع في سبيل بناء إنسانٍ متوازنٍ سليمٍ ومجتمعٍ متماسكٍ يُدرك أن القوة الروحية لا تعني الانفصال عن العالم بل تعني التعامل معه من موقعٍ أعلى
وبين جدرانٍ لا تفتخر بزخرف بل بما يسكنها من نور وبين وجوهٍ لا تلبس الأقنعة بل تتزين بالصدق وبين كلماتٍ لا تُعلي من الأنا بل تُنير درب الجماعة تواصل الزاوية سيرها على درب المحبة وعلى هدى السلوك وعلى نهج مشايخ عارفين اختاروا أن يكونوا جسورًا لا حواجز نورًا لا لهبًا دعوةً لا ضجيجًا





