Non classé

الاستثمار في الناظور: حين يُختزل الأفق في العقار والمطاعم

بقلم: الأستاذ المختاري أيمن
محلل اقتصادي


يشهد المجال الاستثماري في إقليم الناظور انحرافًا واضحًا عن مساره المفترض، حيث تتركز أغلب الاستثمارات في العقار والمطعمة، في ظل غياب شبه كلي للتنوع والابتكار. أكثر من 67% من التصاريح الاستثمارية المسجّلة بين 2018 و2024 تتعلق بمشاريع بناء إقامات، مطاعم، ومقاهٍ، بينما لم تتجاوز نسبة المشاريع الصناعية أو الرقمية 5%، وهي مؤشرات مقلقة على فقر البنية الاستثمارية.

هذا التمركز المفرط يُفضي إلى إنتاج اقتصاد موسمي هش، نشيط فقط خلال أشهر الصيف، يتراجع بقوة بقية السنة، مما يُحوّل المدينة إلى مجال راكد في الشتاء والربيع. ويترتب عن ذلك تفشي البطالة، تراجع فرص التشغيل القار، وغياب دينامية اقتصادية حقيقية قادرة على امتصاص طاقات الشباب وتثمين الكفاءات المحلية.

الرهان المفرط على الاستثمار في العقار والمطاعم لم يُحقق تنمية متوازنة، بل ساهم في خلق فقاعة عمرانية، ورفع أسعار الكراء، وتكرار النمط التجاري نفسه في الفضاءات الحضرية، دون مراعاة للخصوصية المحلية أو الحاجيات المتنوعة للمواطنين. كما أن المطاعم المنتشرة بكثرة، أغلبها يشتغل خارج إطار الإبداع أو الجودة، ولا يُواكب المعايير الحديثة للسياحة أو التذوق أو حتى الشغل اللائق.

الاستثمار الحقيقي لا يُقاس بعدد المباني ولا بألوان الكراسي في المقاهي، بل بقدرته على خلق الثروة، وفرص العمل، وتطوير الابتكار، وتثبيت السكان في مجالات إنتاجية تُعزز الرأسمال المادي والبشري للمنطقة. الناظور، بإمكاناته الطبيعية واللوجستيكية والبشرية، مؤهل لأن يكون قطبًا اقتصاديًا متوسطيًا، لكنه يحتاج إلى إرادة استثمارية جديدة تتجاوز منطق “العقار لا يخسر” و”المطعم يربح بسرعة”، نحو مشاريع قائمة على التكنولوجيا، التكوين، الصناعة الخفيفة، الخدمات الموجهة للمقاولات، والاقتصاد الأخضر.

المدينة مقبلة على أوراش كبرى مثل ميناء “الناظور غرب المتوسط”، والمنطقة الحرة ببني أنصار، ومشاريع بيئية وسياحية واعدة، لكن من المؤسف أن القطاع الخاص المحلي ما زال مترددًا أو غائبًا عن هذه الديناميات. كما أن المؤسسات المالية، ومراكز التكوين، والجماعات الترابية، تتحمل بدورها مسؤولية توجيه الاستثمارات نحو قطاعات ذات جدوى اقتصادية طويلة الأمد.

الاستثمار في الناظور بحاجة إلى إعادة تعريف، ليس فقط على مستوى القطاعات، ولكن أيضًا على مستوى العقلية. فلا تنمية بلا مخاطرة محسوبة، ولا تقدم بلا تنويع، ولا مستقبل لمدينة متوسطية في القرن 21 إذا ظلت محصورة بين الاسمنت وموائد الشاي.

حرر بالناظور، فاتح غشت 2025
الأستاذ المختاري أيمن
محلل اقتصادي ، فاعل مدني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى