الناظور بين التسويق للتفاهة وغياب المسؤولية الرقمية

في مشهد يختزل أزمة القيم لدى بعض المؤثرين في مدينتنا، ظهر أحد أبناء الناظور في فيديو تسويقي لكراء السيارات وهو يدعو المشاهدين إلى “كراء السيارة والذهاب إلى الكورنيش من أجل الفتيات”. عبارة صادمة لا تمثل فقط إساءة للمدينة وأهلها، بل تكشف عن مستوى خطير من الانحطاط الفكري والاستهتار بالمسؤولية التي يفترض أن يتحلى بها أي شخص يمتلك جمهورًا على مواقع التواصل.
المؤثرون ليسوا مجرد أفراد ينشرون يومياتهم، بل هم واجهة إعلامية غير رسمية، وصوت يسمعه الآلاف، وكلامهم وصورهم يسهم في تشكيل صورة المدينة في أعين الآخرين. حين يتحول هذا الصوت إلى أداة لتسويق السطحية والتحرش المقنع وتشييء المرأة، فإننا أمام كارثة أخلاقية وثقافية لا تقل خطرًا عن أي أزمة اقتصادية أو اجتماعية.
وليس من المبالغة القول إن هذا النوع من المؤثرين في الغالب مكبوتون منذ الصغر، يجرون خلف الكاميرا ما عجزوا عن تحقيقه في حياتهم العادية، فيفرغون عقدهم النفسية على شكل محتوى هزيل، مهووس بالمظاهر، مريض بالبحث عن إثبات الذات عبر السيارات المستأجرة، والأكلات المصورة، والمشاهد الموجهة لإشباع رغباتهم المكبوتة.
للأسف، هذا المؤثر ليس حالة معزولة. الناظور يعجّ اليوم بعشرات الحسابات التي تبني محتواها على الأكل المفرط في المطاعم، استعراض السيارات الفارهة، أو تصوير لحظات استهلاكية فارغة لا تضيف شيئًا للمجتمع. محتوى خالٍ من الفكر والإبداع، وكأن “التفاهة” أصبحت بديلاً عن العمل الجاد أو تقديم رسالة نافعة.
المشكلة أن هؤلاء لا يرون أبعد من عدد المشاهدات والإعجابات، متناسين أنهم يرسخون صورة مبتذلة عن الناظور، وكأنها مدينة بلا تاريخ ولا ثقافة ولا كفاءات، فقط مكان للفراغ والتباهي والمظاهر. في حين أن هذه المدينة غنية برجال ونساء يقدمون قصص نجاح تستحق أن تُروى، ومشاريع تنموية وثقافية تستحق أن تُسلط عليها الأضواء.
المؤثر الحقيقي ليس من يستغل الكاميرا لتسويق الغرائز أو استعراض الممتلكات، بل من يوظف حضوره الرقمي لخدمة مدينته، توعية شبابها، وتعزيز صورتها الإيجابية. أما من يختار طريق الإسفاف، فهو لا يسيء لنفسه فقط، بل يسيء لجيل كامل، ولصورة الناظور في أذهان من لا يعرفها.
بقلم : الأستاذ المختاري أيمن
رئيس الهيئة الاكاديمية الاستشارية لمركز العمران الحضاري





