Non classé

من العقار والمطاعم إلى المقاولة الاجتماعية: دعوة لإعادة التفكير في الاستثمار بالناظور

حين نتأمل خريطة الاستثمار في إقليم الناظور، نجد أنفسنا أمام مشهد يتكرر بشكل يبعث على القلق: عقارات تُشيد وتُباع دون رؤية عمرانية شاملة، مطاعم ومقاهٍ تتكاثر كما لو كانت الاستثمار الوحيد الممكن، ومحلات تجارية لا تبتعد كثيراً عن النمط الاستهلاكي نفسه. هذا الواقع يكشف عن أزمة تفكير استثماري حقيقية؛ إذ تحوّل جزء كبير من المستثمرين إلى أسرى لعقلية “الربح السريع” التي لا تتجاوز حدود المصلحة الفردية، متجاهلين أن التنمية ليست مجرد أرقام في الحسابات البنكية، بل بناء لمستقبل جماعي يهم الإنسان والمجتمع.

إن الاقتصار على الاستثمار في العقار والمطاعم لا يصنع اقتصاداً حقيقياً، بل يكرّس هشاشة بنيوية. فهذه المشاريع، رغم مردوديتها المالية السريعة، تظل محدودة الأثر على التشغيل، ضعيفة المساهمة في الابتكار، وعاجزة عن معالجة التحديات الاجتماعية والبيئية التي يعرفها الإقليم. والأسوأ من ذلك أنها تخلق فائضاً مشبعاً لا يلبي حاجة جديدة، بل يكرر نفسه حتى الاختناق، فيغدو الاستثمار نسخة كربونية من ذاته.

في المقابل، يظل باب المقاولة الاجتماعية مفتوحاً على مصراعيه، لكنه مع الأسف لا يزال خارج اهتمام الكثير من المستثمرين المحليين. هذا الباب هو الذي يتيح مشاريع ذات قيمة مضافة: مقاولات تبتكر حلولاً للبطالة المتزايدة، مبادرات خضراء تحمي البيئة الساحلية المهددة، خدمات اجتماعية تواكب الفئات الهشة، ومنصات رقمية تفتح فرصاً للشباب في التعليم والعمل. هذه المجالات ليست مجرد ترف فكري أو مثالية حالمة، بل هي قطاعات أثبتت في تجارب عالمية قدرتها على الجمع بين الربح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

النقد هنا ضروري وصريح: إن من يصرّ على حصر تفكيره في الاستثمار العقاري والمطاعم يساهم – ولو عن غير قصد – في إفقار الخيال الاقتصادي للناظور، وإضاعة فرص تنموية هائلة. فالرهان اليوم لم يعد على البناء العشوائي ولا على تكرار نفس المشاريع الاستهلاكية، بل على القدرة على الإبداع في خلق نموذج اقتصادي محلي مختلف، يواكب التحولات ويمنح للإقليم هويته الاقتصادية الخاصة.

لقد آن الأوان للمستثمرين أن يتحملوا مسؤوليتهم التاريخية والأخلاقية، وأن يعترفوا بأن التنمية ليست وظيفة الدولة وحدها، بل هي أيضاً مسؤولية النخب الاقتصادية. ومن هذا المنطلق، فإن النقد الموجه لهم ليس ترفاً بل إنذاراً: الاستمرار في إعادة إنتاج نفس المشاريع لن يصنع مستقبلاً للناظور، بل سيزيده اختناقاً. أما الجرأة على خوض غمار المقاولة الاجتماعية، فهي وحدها التي ستمنح الإقليم ما يستحقه من قيمة، وستجعل من الاستثمار فعلاً تنموياً يتجاوز حدود الجيوب إلى عمق المجتمع.

بقلم: الأستاذ أيمن المختاري
رئيس الهيئة الأكاديمية الاستشارية لمركز العمران الحضاري للثقافة والعلوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى