‏الرئيسيةحوادث

دكتور عبد الله بوصوف يكتب: سانشيز في عين العاصفة… لماذا يفشل اليمين الإسباني في إسقاطه؟

تعيش الساحة السياسية الإسبانية على وقع واحدة من أكثر المراحل تعقيداً وتشابكاً منذ سنوات، حيث يبدو أن رئيس الحكومة الإسبانية Pedro Sánchez لا يزال قادراً على قلب موازين الصراع السياسي، رغم كل الحملات الإعلامية والضغوط القضائية التي تستهدفه وتستهدف دائرته المقربة.

ففي الوقت الذي كانت فيه كل التوقعات السياسية تراهن على تراجع شعبيته بعد الانتخابات الأخيرة، تكشف استطلاعات الرأي أن الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني ما يزال يحافظ على موقع متقدم داخل المزاج الانتخابي الإسباني، بل إن سانشيز نفسه تحول إلى شخصية أكثر قوة وإزعاجاً لخصومه، خاصة داخل معسكر اليمين واليمين المتطرف.

السبب في ذلك لا يرتبط فقط بخطابه السياسي، بل بما يراه المواطن الإسباني على أرض الواقع. فإسبانيا، رغم الحرب الروسية الأوكرانية، وأزمة الطاقة، واضطرابات الشرق الأوسط، والتضخم العالمي، تمكنت من الحفاظ على مؤشرات اقتصادية واجتماعية مستقرة نسبياً.فالناخب الإسباني يقارن بين وضعه الحالي وبين أوضاع عدد من الدول الأوروبية، ليجد أن نسبة البطالة انخفضت، والنمو الاقتصادي تحسن، والاستثمارات الأجنبية ارتفعت، كما أن قطاع السياحة استعاد قوته بسرعة بعد جائحة كورونا.

كما أن حكومة سانشيز نجحت في تقديم نموذج “الواقعية السياسية” في ملفات حساسة، وعلى رأسها ملف الهجرة، من خلال تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين، إلى جانب حفاظها على توازنات دقيقة داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، دون خسارة شراكاتها الاستراتيجية مع قوى دولية كبرى.

لكن في المقابل، تواجه حكومة سانشيز حرباً سياسية وقضائية وإعلامية مفتوحة.فخصومه لا يخفون رغبتهم في إسقاط التحالف الحكومي، عبر فتح ملفات فساد وتحقيقات تطال أسماء مقربة منه، من بينها زوجته Gómez Begoña، إضافة إلى أسماء أخرى مرتبطة بمحيطه السياسي والعائلي.

الأخطر في هذا المشهد هو التصريح الذي أطلقه سانشيز حين قال إن “بعض القضاة يمارسون السياسة”، في إشارة مباشرة إلى وجود خلفيات إيديولوجية داخل بعض دوائر القضاء الإسباني، خاصة القريبة من اليمين المحافظ.وهو تصريح لم يكن عادياً داخل دولة ديمقراطية تقوم على مبدأ فصل السلط، لأنه يعكس حجم التوتر القائم بين المؤسسة السياسية وبعض المؤسسات القضائية والإعلامية.

ولعل المفارقة التي لخصت هذا الصراع، هي تزامن استقبال الفاتيكان لرئيس الحكومة الإسبانية يوم 27 ماي الجاري من طرف البابا الجديد، مع انتقال سلطات التحقيق إلى مقر الحزب الاشتراكي لإجراء تحقيقات قضائية مرتبطة بملفات فساد مفترضة.

المشهد الإسباني اليوم لم يعد مجرد تنافس انتخابي تقليدي، بل أصبح صراعاً عميقاً حول من يتحكم في الرأي العام وفي توجيه الدولة: هل هي المؤسسات المنتخبة؟ أم القضاء؟ أم الإعلام؟وهو ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة بالنسبة لسانشيز، خاصة مع انتظار الرأي العام الإسباني مثوله أمام البرلمان لتقديم توضيحات بشأن هذه الملفات، قبل موعد المجلس الأوروبي المرتقب منتصف يونيو المقبل.

إن ما يحدث في إسبانيا يقدم نموذجاً معقداً للديمقراطيات الغربية الحديثة، حيث تختلط الإنجازات الاقتصادية بالصراعات المؤسساتية، وتتحول ملفات الفساد والتحقيقات القضائية إلى أدوات ضمن معارك سياسية مفتوحة.

ويبقى السؤال الأبرز:هل سينجح بيدرو سانشيز في تحويل هذه الضغوط إلى مصدر جديد للقوة السياسية، أم أن تراكم الفضائح والتحقيقات سيؤدي في النهاية إلى اهتزاز صورته أمام الناخب الإسباني؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى