في ذكرى والدي الراحل أحمد الراخا

بمناسبة الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل والدي أحمد الحاج المحمدي “الراخا”، أجد نفسي مدفوعاً إلى كتابة هذه الكلمات وفاءً لذكراه واستحضاراً لبعض المحطات من حياته الحافلة بالعطاء، خاصة وأنه يعد من الشخصيات التي تركت بصمتها في تاريخ بني أنصار وإقليم الناظور، بعد أن كرس جزءاً كبيراً من حياته لخدمة المواطنين والدفاع عن قضايا منطقته.
ولد أحمد الراخا سنة 1934 بقبيلة مزوجة التابعة لكونفدرالية قبائل قلعية، ونشأ في بيئة ريفية مشبعة بروح المقاومة والاعتزاز بالهوية والوطن. تابع دراسته بمدينة مليلية المحتلة، حيث عرف منذ شبابه بشخصيته القوية وحبه لرياضة الملاكمة. وكان كثير التأثر بالروايات التي كان يسمعها عن مقاومة القبائل الريفية للاستعمار الإسباني، وهي القصص التي ساهمت في تشكيل وعيه الوطني مبكراً.
ومع اشتداد الحركة الوطنية من أجل الاستقلال، انخرط في دعم جيش التحرير بالشمال، حيث ساهم رفقة عدد من أبناء المنطقة في نقل الأسلحة سراً إلى المقاومين. وقد شكلت هذه المرحلة إحدى أهم المحطات في حياته، إذ اختار الوقوف إلى جانب الحركة الوطنية رغم أن بعض أفراد أسرته كانوا يشغلون وظائف داخل المؤسسات التابعة للإدارة الإسبانية آنذاك، وهو ما يعكس قوة قناعته الوطنية واستعداده لتحمل المخاطر دفاعاً عن استقلال المغرب.
بعد حصول المغرب على استقلاله، اختار أحمد الراخا مواصلة خدمة الوطن من خلال العمل الجماعي والتدبير المحلي. فتولى مسؤوليات على مستوى إقليم الناظور قبل أن يصبح رئيساً لبلدية بني أنصار، وهو المنصب الذي ظل يشغله لما يقارب ثلاثين سنة. وخلال هذه الفترة، ارتبط اسمه بخدمة المواطنين والسعي إلى تحسين أوضاع المدينة التي كانت تعرف تحولات مهمة بحكم موقعها الحدودي وقربها من مليلية.
وفي زمن كانت الهجرة إلى أوروبا تمثل الأمل الوحيد لآلاف الشباب، ساهم في تسهيل عدد من المساطر الإدارية لفائدة سكان المنطقة، وحرص على مساعدة المواطنين البسطاء في قضاياهم اليومية. لذلك احتفظت له العديد من الأسر بذكريات طيبة، باعتباره مسؤولاً قريباً من الناس ومتفهماً لمعاناتهم.
كما عرف ببيته المفتوح أمام المحتاجين وذوي الظروف الصعبة، وبحرصه على التدخل لدى الإدارات والمسؤولين لإيجاد حلول لمشاكل السكان. وقد وصفه عدد ممن عرفوه بأنه كان يدافع عن مطالب المواطنين داخل المجالس المنتخبة بنفس الحماس الذي يدافع به المعارضون عن قضايا الناس، وهو ما أكسبه احتراماً واسعاً داخل المنطقة.
وخلال سبعينيات القرن الماضي، نسج علاقات قوية مع أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، خصوصاً في بلجيكا وألمانيا وهولندا، حيث كان يحظى بتقدير كبير من طرف المهاجرين المنحدرين من إقليم الناظور الذين ظلوا يتذكرون الخدمات التي قدمها لهم ولعائلاتهم.
كما برزت شخصيته الوطنية في أكثر من مناسبة. ففي سنة 1974، وخلال فترة شهدت توتراً بين المغرب وإسبانيا، تدخل بشجاعة خلال حادث حدودي كاد أن يتطور إلى مواجهة خطيرة، حيث سعى إلى تهدئة الأوضاع إلى حين تدخل القنوات الرسمية لمعالجة الأزمة.
وفي سنة 1975، شارك في المسيرة الخضراء إلى جانب آلاف المغاربة الذين استجابوا لنداء الوطن من أجل استكمال الوحدة الترابية للمملكة. وقد ظل يعتبر هذه المشاركة من أبرز المحطات الوطنية في حياته، وظل يعتز بها إلى آخر أيامه.
وكان أحمد الراخا يتميز أيضاً بدفاعه المستمر عن حقوق العمال والفئات الشعبية، كما كان يحرص خلال لقاءاته الانتخابية على التواصل المباشر مع المواطنين بلغتهم الأمازيغية، وهو ما ساهم في تعزيز مكانته داخل مختلف مناطق الإقليم.
ورغم الشعبية الكبيرة التي كان يتمتع بها والاحترام الذي حظي به لدى السكان، ظل بعيداً عن مظاهر الترف واستغلال النفوذ، وظل وفياً لفكرة أن المسؤولية العمومية هي خدمة للمواطن قبل أن تكون امتيازاً شخصياً. ولهذا ما زال اسمه حاضراً في ذاكرة كثير من أبناء المنطقة الذين يتذكرونه كرجل نزيه وقريب من الناس.
وفي 30 ماي 2003، وبعد صراع مع المرض، رحل أحمد الراخا عن عمر ناهز التاسعة والستين سنة، تاركاً وراءه سيرة رجل جمع بين النضال الوطني والعمل الجماعي وخدمة المواطنين.
رحم الله والدي أحمد الراخا رحمة واسعة.
وللمزيد من التفاصيل حول حياة ومسيرة أحمد الراخا، أدعوكم إلى الاطلاع على المقال الكامل:





