من الرؤية العامة إلى التفاصيل الدقيقة: قراءة في تحوّل الفكر الإنساني من خلال تطور تصميم سيارة “فولكسفاكن غولف”

يُعدّ تتبع مسار تطور سيارة Volkswagen Golf منذ إطلاقها سنة 1974 إلى الجيل الثامن سنة 2019 مثالًا معبّرًا عن التحولات العميقة التي عرفها الفكر الإنساني المعاصر. فالمتأمل في التصميم الخارجي لهذه السيارة يلاحظ أن الانتقال بين الأجيال لم يكن قائمًا على تغييرات جذرية في البنية أو المفهوم العام، بقدر ما كان متركزًا على تحسينات دقيقة، تمس الخطوط، والانحناءات، والتناسق البصري، والتفاصيل التقنية الشكلية. إن هذا التدرج يعكس بوضوح انتقال التفكير الإنساني من منطق الكلّي والعام إلى منطق الدقيق والتفصيلي.
في بدايات الثورة الصناعية والنهضة التكنولوجية، كان الاهتمام منصبًا على تحقيق التحول الكلي: الانتقال من العربة التقليدية إلى السيارة، ومن المحرك البسيط إلى المحرك القوي، ومن التصميم الوظيفي البحت إلى الشكل الأكثر حداثة. غير أن المرحلة الراهنة تكشف عن وعي جديد: التقدم لم يعد يُقاس فقط بالقدرة على إبداع الشكل العام أو اختراع الفكرة الكبرى، بل بمدى إتقان التفاصيل التي تمنح القيمة والجودة وتُميز المنتج وسط ازدحام الخيارات.
إن هذا التحول يعكس نزعة فلسفية أوسع؛ فالإنسان في عصر ما بعد الحداثة أصبح يدرك أن المعنى لا يُستخلص من الصورة الكلية وحدها، بل يتجلى في الجزئيات الصغيرة: في الدقة الهندسية، في التوازن البصري، وفي اللمسات التي قد تبدو للوهلة الأولى ثانوية، لكنها تشكّل في مجموعها الفارق النوعي. ومن ثمّ، باتت التفاصيل هي المجال الذي يتجلى فيه الإبداع الحقيقي.
إن مقارنة جيل الغولف الأول بصندوقه البسيط وخطوطه الحادة مع الجيل الثامن بانسيابيته ودقة مكوناته، تُظهر أن الفكر التصميمي – شأنه شأن الفكر الإنساني عمومًا – لم يعد يبحث عن “القطيعة الكاملة”، بل عن “التجويد المستمر” من خلال التفاصيل. وهنا يمكن القول إن العالم انتقل من الفكر الكلي (macro thinking) إلى الفكر التفصيلي (micro thinking)، وهو انتقال يعبّر عن نضج التجربة الإنسانية وقدرتها على رؤية القيمة في ما هو دقيق وجزئي.
وبذلك، فإن تطور “الغولف” ليس مجرد مسار في تاريخ صناعة السيارات، بل هو شاهد على تحوّل أعمق في الوعي الإنساني: من الانبهار بالشكل العام إلى إدراك أن المستقبل يُبنى بالتفاصيل.
بقلم : ذ.المختاري أيمن
رئيس الهيئة الأكاديمية الإستشارية لمركز العمران الحضاري .
المدير التربوي لمركز طه حسين للفرصة الثانية – أزغنغان .





