السي أحمد المرابط… ذاكرة رجل عبر من المحنة واقفا

فكري ولد علي
على بعد أيام من حلول الذكرى الرابعة لرحيله، يعود اسم السي أحمد المرابط، السكرتير الخاص للأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، إلى الواجهة بوصفه واحدا من الرجال الذين ظل أثرهم أقوى من غيابهم. لم يكن من هواة الأضواء، بل من أولئك الذين يدخلون المكان بهدوء فيتغير إيقاعه من غير ضجيج. كانت ملامحه تروي شيئا من زمن بعيد، ويكفي حضوره ليستقيم المجلس وتستقر النفوس. لذلك بقي في ذاكرة من عرفوه رجلا يبعث الطمأنينة ويمنح الجلسات معنى خاصا ونادرا.
كان لقاؤه يبدد المسافات، ويمنح جلساته دفئا إنسانيا قل نظيره. يستقبل أصدقاءه بفرح صادق، ولا يشعر من يجالسه بفارق سن أو رتبة أو تجربة. ظل محتفظا بروح شابة وانفتاح دائم على الأجيال الجديدة، وعلى مختلف الحساسيات السياسية والنقابية والحقوقية. لذلك انخرط بعفوية في المبادرات الشبابية والاحتجاجية، مؤمنا بأن نبض الشارع امتداد طبيعي لنبض الوطن، وأن الحوار الصادق أبقى من الشعارات وأعمق أثرا في الوجدان العام.
في مدينة تطوان، حيث استقر ردحا من الزمن، عرفه الناس قبل أن يعرفوا صفته. كان يصافح من يقابلونه بحرارة، ويصغي أكثر مما يتكلم، ويترك لمحدثه المساحة الكاملة ليقول ما يريد. لذلك أحبه “الخصوم” قبل الأصدقاء. لم يكن صاحب مزاج متقلب، ولا أسير ألقاب عابرة، بل رجلا بسيطا في سلوكه وحياته، عميقا في نظرته، يفضل المعنى الهادئ على الضجيج الذي يملأ بعض المجالس.
ذلك الهدوء لم يولد من فراغ، بل خرج من تربة ريفية تعرف كيف تصنع الصبر. ففي قرية زاوية سيدي يوسف التابعة، حاليا، لجماعة “لوطا” بإقليم الحسيمة، ولد سنة 1938، وهناك تشكل وعيه الأول بين الجبل وقسوة المواسم. تعلم باكرا أن الكرامة خبز يومي لا ترف اجتماعي. حينها كان اسم الأسرة الأصلي “أكارود” قبل أن يصير لاحقا المرابط، في مسار تشكلت معه هوية رجل لم يعبر الحياة بيسر.
لم يكن البيت الذي نشأ فيه بعيدا عن صخب التاريخ. فوالده، السي أحمد امحمد أكارود، كان من رجالات الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وتولى وزارة الأوقاف وأمانة مجلس الأمناء وبيت المال. ومن والدته ورث صرامة الأمانة ونقاء السريرة. لذلك كبر وهو يسمع أخبار المقاومة كما يسمع آخرون الحكايات، ويتعلم أن الرجال تقاس مواقفهم ساعة الشدة، لا ساعة الرخاء ولا زمن المجد العابر.
منذ شبابه المبكر، وجد نفسه تحت المراقبة الأمنية والاستهداف بسبب خلفيته العائلية وعلاقاته الوطنية. دفعت به أجواء التضييق إلى الرحيل بعيدا، وكانت الوجهة أواخر الخمسينيات مدينة القاهرة، حيث فتح صفحة جديدة من حياته طالبا للعلم وباحثا عن أفق أرحب يليق بطموحه الفكري والإنساني. هناك وجد مدينة مفتوحة على الأسئلة الكبرى، وعلى زمن عربي مشحون بأحلام التحرر والتغيير وبناء مستقبل يتسع للجميع.
في قاهرة المعز درس الفلسفة وعلم الاجتماع، ونال الإجازة سنة 1962. لكنه لم ينهل من الكتب وحدها، فالمدينة نفسها كانت جامعة ثانية بأفكارها وصخبها ووجوهها العابرة. هناك اتسعت نظرته إلى العالم، واشتد إيمانه بأن الفكر مسؤولية لا زينة شخصية. هناك اقترب من الأمير المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، وعاش مجالس غنية بالنقاش، واحتك بشخصيات عربية وعالمية أثرت لاحقا في تكوينه الفكري والإنساني.
عاد إلى المغرب واختار تطوان مستقرا، فاشتغل أستاذا للفلسفة ثم موظفا بقطاع التعليم ونقابيا. غير أن البلاد كانت تمضي في سنوات ثقيلة، فوجد نفسه ضمن المستهدفين خلال سنوات الرصاص. سنة 1973 اعتقل، وتنقل بين مراكز سرية ومعتقلات سيئة الصيت، ذاق فيها التعذيب والإهانة شهورا طويلة. لكنه خرج من تلك المحنة، كما دخلها، محتفظا بقناعته وكرامته، صلبا، كأن التجربة صقلت معدنه ولم تكسر جوهره الصلب.
ورغم رحلة المحنة، ظل الرجل، وفيا لقضايا الإنسان والذاكرة، يشارك بشهادانه في كشف ما حاول النسيان طمسه من صفحات التاريخ المعاصر للمغرب، خاصة ما يتعلق بالريف، محمد عبد الكريم الخطابي، تطوان والمعتقلات السرية. كان يرى أن العدالة لا تقاس بنصوص القانون فقط، بل أيضا بما تمنحه الدولة للمواطنين من كرامة وإنصاف وحقوق. ثقافته الواسعة وذاكرته الحية جعلتاه مرجعا لمن كان يريد أن يفهم تعقيدات تلك المرحلة وسياقاتها العميقة.
مسار غني ظل معه السي أحمد بعيدا عن ادعاء البطولة أو صخب الواجهة، مؤثرا الحديث الهادئ، والموقف النظيف. رجل احتفظ بصفائه الصادق، وبأناقة المثقف، وبصلابة المناضل، وبساطة الإنسان الريفي. وإذ كان كان قد رحل الجسد يوم 10 يونيو 2022، بقيت سيرته تستحق أن تروى وتكتب، لا لأنها سيرة فرد عبر من المحنة واقفا بل لأنها مرآة زمن وقيم نادرة. هكذا يبقى بعض الرجال، يغيب حضورهم الجسدي، واكن يزدادون معنى مع الزمن، لأن الأثر الصادق لا يرحل من القلوب.





