محمادي توحتوح يغادر الأحرار… خسارة اسم أم بداية إعادة رسم موازين القوة بجهة الشرق؟

لم تكن مغادرة محمادي توحتوح لحزب التجمع الوطني للأحرار مجرد انتقال عادي من حزب إلى آخر، ولا مجرد تغيير للون السياسي قبل الانتخابات التشريعية المقبلة. إنها، بكل المقاييس السياسية، ضربة قوية للأحرار بإقليم الناظور، وفرصة انتخابية ثمينة لحزب الاستقلال لإعادة ترتيب موازين القوة بالمنطقة.
فالرجل لم يكن عضواً عادياً داخل التجمع الوطني للأحرار؛ فقد كان برلمانياً عن إقليم الناظور، كما سبق أن تولى رئاسة الشبيبة التجمعية بجهة الشرق، وكان لسنوات واحداً من الوجوه التي دافعت إعلامياً وسياسياً عن الحزب وحكومته.
والأهم أن رحيله يأتي في سياق انتخابي بالغ الحساسية، بعدما اتجه الحزب إلى تزكية عبد الحليم فوطاط لقيادة لائحته بالناظور، في وقت سبقته أشهر من الجدل حول مستقبل توحتوح داخل الحزب.
لكن الجديد هذه المرة أن توحتوح لا يغادر إلى مساحة سياسية محايدة، بل ينتقل إلى حزب الاستقلال، أحد أكبر المنافسين السياسيين للأحرار بالناظور وجهة الشرق.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
الأحرار يفقد اسماً… والاستقلال يكسب ورقة انتخابية ثقيلة
قد يستطيع أي حزب أن يعوض مرشحاً بمرشح آخر، لكن تعويض شبكة العلاقات، والحضور الميداني، والخبرة الانتخابية، والمعرفة الدقيقة بخريطة الدوائر والفاعلين، ليس بالأمر السهل.
وهنا تكمن أهمية مغادرة توحتوح.
فالرجل يدخل الاستحقاق المقبل وهو يحمل معه تجربة برلمانية وتنظيمية وانتخابية راكمها داخل المشهد السياسي المحلي والجهوي.
والأهم أن هذه التجربة لن تبقى خارج المنافسة، بل ستصبح جزءاً من المعركة الانتخابية لحزب الاستقلال.
كما أن وجود محمادي توحتوح ضمن صفوف حزب الاستقلال، إلى جانب الحضور البرلماني الذي أصبح مرتبطاً بالحزب بالإقليم، يمنح الاستقلال ثقلاً سياسياً وتنظيمياً إضافياً، ويجعل المنافسة على مقاعد الناظور مفتوحة على سيناريوهات أكثر تعقيداً بالنسبة للأحرار.
من الدفاع عن الأحرار… إلى مواجهة الأحرار
المفارقة السياسية الكبرى أن توحتوح كان، خلال سنوات، واحداً من الوجوه التي ارتبط اسمها بالدفاع عن التجمع الوطني للأحرار وعن حصيلة الحكومة.
وفي سنة 2021، كان يقدم نفسه بصفته رئيس الشبيبة التجمعية بجهة الشرق، ويتحدث عن مشروع الحزب ونخبه الشابة وبرنامجه الحكومي.
واليوم، تغير موقعه السياسي بالكامل.
فالرجل الذي كان يدافع عن مشروع الأحرار أصبح في صفوف حزب الاستقلال، الذي يستعد لخوض المنافسة الانتخابية نفسها، وفي الإقليم نفسه، وعلى المقاعد نفسها.
وهذا التحول لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد انتقال تنظيمي؛ بل باعتباره تحولاً في اتجاه الرصيد السياسي نفسه.
فالمعرفة التي راكمها توحتوح بخريطة الناظور السياسية، وعلاقاته مع المنتخبين والفاعلين، وتجربته الانتخابية والتنظيمية، يمكن أن تتحول من عنصر قوة داخل الأحرار إلى عنصر قوة في المعسكر المنافس.
الناظور… حيث ستُختبر قوة التنظيمات
المعركة في الناظور لن تكون مجرد معركة أسماء.
إنها ستكون اختباراً حقيقياً لقوة التنظيم، وقدرة الأحزاب على تعبئة قواعدها، واستقطاب الفاعلين، وتحويل الحضور السياسي إلى أصوات انتخابية.
وهنا سيظهر الفرق بين حزب يستطيع تجاوز فقدان أحد وجوهه، وحزب يعرف كيف يحول انتقال شخصية سياسية وازنة إلى رافعة انتخابية جديدة.
وبالنسبة لحزب الاستقلال، فإن الرهان واضح: عدم الاكتفاء باستقطاب اسم معروف، وإنما تحويل هذا الاستقطاب إلى قوة تنظيمية وانتخابية فعلية.
فالحزب لا يحتاج إلى تقديم توحتوح باعتباره مجرد وافد جديد، بل باعتباره إضافة إلى رصيد سياسي وتنظيمي قائم أصلاً.
وهذا ما يجعل المعادلة أكثر صعوبة بالنسبة للأحرار.
فالسؤال لم يعد فقط: من سيترشح مكان توحتوح؟
بل أصبح:
كم من الأصوات والوجوه والمنتخبين والفاعلين الذين كانوا يتحركون معه سيبقون داخل الحزب؟ وكم منهم قد يجد في الاستقلال وجهته الجديدة؟
هنا سيكون الاختبار الحقيقي.
الاستقلال أمام فرصة لإعادة رسم الخريطة
بالنسبة لحزب الاستقلال، لا ينبغي النظر إلى هذه التطورات باعتبارها مجرد مكسب ظرفي.
إنها فرصة لإعادة بناء مشهد انتخابي أكثر قوة وتنظيماً.
فالاستقلال يمتلك تاريخاً سياسياً راسخاً في المنطقة، وحضوراً تنظيمياً، ورصيداً انتخابياً، إلى جانب برلمانيين ومنتخبين وفاعلين داخل الإقليم والجهة.
وانضمام توحتوح إلى هذا المعسكر يضيف إلى هذه العناصر خبرة انتخابية وشبكة علاقات وحضوراً سياسياً داخل الدائرة نفسها التي ستدور فيها المنافسة.
وبالتالي، فإن المعادلة لا تختزل في «الأحرار فقدوا توحتوح»، وإنما في أن الاستقلال كسب توحتوح في لحظة انتخابية دقيقة.
وهذا فارق كبير.
هل يتحول الرحيل إلى نزيف؟
الأخطر بالنسبة للتجمع الوطني للأحرار أن ما وقع بالناظور يأتي في سياق أوسع من الحركية السياسية التي تعرفها جهة الشرق، مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة.
ففي السياسة، انتقال شخصية وازنة يمكن أن يبقى حدثاً محدوداً، لكن إذا تبعه انتقال منتخبين وفاعلين ومناضلين، فإن الأمر يتحول إلى نزيف تنظيمي وسياسي.
وهنا تحديداً ستتجه الأنظار إلى ما سيحدث بعد مغادرة توحتوح.
هل ستبقى مغادرته حالة منفردة؟
أم أنها ستكون بداية لسلسلة من إعادة التموضع السياسي؟
ذلك هو السؤال الذي سيحدد حجم التداعيات.
معركة الناظور… بين فوطاط وتوحتوح
من الواضح أن المنافسة المقبلة ستمنح الناخب الناظوري فرصة للحكم على قوة كل طرف.
فمن جهة، سيكون الأحرار أمام تحدي إثبات أن قوته التنظيمية لا ترتبط بشخص واحد، وأن الحزب قادر على خوض المعركة بمرشحه عبد الحليم فوطاط وبشبكته التنظيمية.
ومن جهة أخرى، سيكون حزب الاستقلال أمام فرصة لإثبات أن استقطاب توحتوح لم يكن مجرد عنوان إعلامي، وإنما اختيار سياسي قادر على ترجمة الحضور إلى نتيجة انتخابية.
وهنا ستكون الكلمة الأخيرة للميدان.
فالانتخابات لا تُحسم فقط بالأسماء، ولا بالخطابات، ولا بالتحالفات الظرفية، وإنما بالقدرة على الوصول إلى المواطن، وإقناعه، وتعبئة القواعد، وحشد الأصوات يوم الاقتراع.
من يخسر ومن يربح؟
مغادرة محمادي توحتوح للأحرار ليست بالضرورة نهاية الأحرار بالناظور، كما أنها ليست تلقائياً انتصاراً للاستقلال.
لكنها، دون شك، غيرت قواعد اللعبة.
فالأحرار فقدوا اسماً كان جزءاً من واجهتهم السياسية والتنظيمية، بينما حصل الاستقلال على شخصية تعرف جيداً طبيعة المنافسة وخريطة الإقليم.
والأهم أن توحتوح انتقل من موقع المدافع عن مشروع الأحرار إلى موقع المنافس له.
وهذا يجعل الانتخابات المقبلة أكثر سخونة، وأكثر تعقيداً، وأكثر قابلية لإعادة ترتيب موازين القوة.
ولذلك، فإن أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه الأحرار هو التعامل مع المسألة باعتبارها مجرد «مغادرة شخص».
فالسياسة لا تُقاس فقط بعدد من غادر، وإنما بما يتركه المغادر وراءه من فراغ، وبما يأخذه معه من رصيد، وبالجهة التي ستنجح في تحويل ذلك الرصيد إلى قوة انتخابية.
أما حزب الاستقلال، فالتحدي أمامه واضح: أن يحول هذا الاستقطاب السياسي إلى قوة انتخابية ميدانية، وأن يثبت أن الرصيد الجديد لم يأتِ ليكمل المشهد، بل ليغيره.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه انتخابات شتنبر:
كم سيكلف رحيل محمادي توحتوح التجمع الوطني للأحرار بالناظور؟ وكم سيضيف لحزب الاستقلال؟ وهل ستتوقف تداعيات الرحيل عند حدود الإقليم، أم تمتد لتعيد رسم خريطة القوة السياسية بجهة الشرق؟
الجواب لن يكون في البيانات والتصريحات… بل في صناديق الاقتراع. وهناك فقط ستظهر قيمة الرصيد الذي غادر بيت الأحرار، والقوة التي استطاع حزب الاستقلال أن يبنيها فوق هذا التحول.




