‏الرئيسية

عبد الله بوصوف يكتب: المغرب في المرآة الإسبانية.. كيف تُصنع الصورة وكيف يمكن إعادة تشكيلها؟

عبد الله بوصوف

لا يزال ما شهدته مدينة سبتة يومي 30 و31 يوليوز المنصرم حاضراً في النقاش حول العلاقات المغربية الإسبانية، ليس فقط بسبب طبيعة الحدث وتداعياته، وإنما أيضا بسبب الطريقة التي جرى بها تقديمه وتأويله في جزء من الفضاء الإعلامي والسياسي الإسباني.

فمنذ الساعات الأولى، كانت المواقف الرسمية الإسبانية تؤكد وجود تعاون مغربي في التعامل مع الوضع. كما أشارت المعطيات الصادرة لاحقاً عن أجهزة الاستخبارات الإسبانية إلى عدم تحميل المغرب مسؤولية ما وقع، قبل أن يعود رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، في 31 غشت، ليؤكد بدوره أن المغرب لا يتحمل مسؤولية الأحداث.

غير أن هذه المواقف الرسمية لم تمنع استمرار خطاب مغاير لدى بعض وسائل الإعلام والأصوات السياسية، بل وحتى لدى بعض العسكريين المتقاعدين، حيث عادت إلى الواجهة تأويلات تستحضر صوراً قديمة عن المغرب وتضع الأحداث الجديدة داخل قوالب جاهزة.

وهنا تكمن القضية الأهم التي تتجاوز واقعة سبتة نفسها: كيف تستمر صورة معينة عن بلد ما، حتى عندما لا تتطابق بالضرورة مع المعطيات الرسمية أو الوقائع المتاحة؟

إن الإجابة لا ترتبط بحدث عابر، وإنما بتاريخ طويل من التراكمات السياسية والإعلامية والثقافية التي ساهمت في تشكيل صورة المغرب داخل جزء من المخيال الإسباني.

فالهجرة، والحدود، والمخدرات، والجريمة، والإسلام، والأمن، ظلت لسنوات طويلة من أكثر المفردات ارتباطاً بالمغرب في جزء من التغطيات الإعلامية الإسبانية. ومع تكرار هذه المفاهيم، يتحول البلد تدريجياً من موضوع للخبر إلى إطار ذهني جاهز يتم من خلاله تفسير الأخبار الجديدة.

وهنا تلعب وسائل الإعلام دوراً أساسياً، ليس فقط من خلال نقل الأحداث، وإنما أيضاً من خلال اختيار العناوين والصور والمصطلحات والضيوف والزوايا والسياقات التي تقدم من خلالها القصة.

فالخبر لا يصل إلى المتلقي في صورته الخام؛ بل يمر عبر عملية اختيار وترتيب وتأطير. وعندما تتكرر الاختيارات نفسها عند تناول بلد معين، فإنها تساهم، بمرور الوقت، في بناء تمثل جماعي يصعب تغييره بمجرد نفي خبر أو إصدار توضيح رسمي.

وقد زادت البيئة الرقمية من تعقيد هذه العملية. فالمقطع القصير والصورة المثيرة والعنوان القوي يمكن أن تصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات، بينما قد يحتاج تصحيح المعلومة أو وضعها في سياقها إلى وقت أطول بكثير.

ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت المسألة أكثر تعقيداً، بعدما بات من الممكن إنتاج صور ومقاطع ومحتويات يصعب على المتلقي العادي التمييز بينها وبين المحتوى الحقيقي.

لكن مواجهة هذه الصورة لا تبدأ بالرد عليها، وإنما تبدأ بمعرفتها.

نحن بحاجة إلى رصد علمي ومنتظم لما يكتب ويقال عن المغرب في الصحافة الإسبانية، وما يتم تداوله في المنصات الرقمية، وما يحضر في الخطاب السياسي والأكاديمي. كما نحتاج إلى تصنيف المفردات والموضوعات والصور الأكثر تكراراً، وتتبع مصادرها، ومعرفة كيفية انتقالها من وسيلة إعلامية إلى أخرى، ومن الإعلام إلى النقاش السياسي والمجتمعي.

فلا يمكن تفكيك صورة نمطية من دون معرفة دقيقة بالعناصر التي صنعتها ورسختها.

لكن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند الطرف الآخر: ماذا يقولون عنا؟

بل يجب أن نطرح سؤالاً أكثر أهمية: ماذا نفعل نحن حتى نقدم المغرب كما هو؟

هل ننتج محتوى باللغة الإسبانية يعرف بالمغرب المعاصر؟

هل نترجم الكتب والدراسات والأعمال الأدبية والفكرية المغربية إلى الإسبانية؟

هل نحضر بشكل أكبر في الجامعات ومراكز الدراسات ووسائل الإعلام الإسبانية؟

هل ننتج أفلاماً ووثائقيات ومنصات رقمية قادرة على مخاطبة المجتمع الإسباني بلغته وأدواته؟

وهل نملك حضوراً إعلامياً وثقافياً مستمراً يعرف بالمغرب في الأوقات العادية، وليس فقط عندما تقع أزمة أو حادثة؟

إن بناء الصورة لا يتم فقط من خلال الرد على ما يقال عنا، وإنما من خلال الحضور المستمر في المجال الذي تتشكل فيه المعرفة والآراء والانطباعات.

فالمغرب الذي يظهر في بعض التغطيات الإعلامية ليس هو المغرب الوحيد الموجود على أرض الواقع.

هناك مغرب آخر يعيش تحولات اقتصادية وعمرانية متسارعة، ويطور بنياته التحتية، ويستقطب الاستثمارات، ويعمل على تطوير قطاعات الصناعة والطاقة والموانئ والسياحة.

وهناك مغرب ثقافي وفني ورياضي، ومجتمع شاب يتغير بسرعة، وتجارب متعددة في التعليم والاقتصاد وريادة الأعمال، فضلاً عن موقعه الإفريقي والمتوسطي وتعدده العربي والأمازيغي وامتداده التاريخي والحضاري.

هذا المغرب يحتاج إلى أن يظهر في النقاش الإسباني بصورة أكثر انتظاماً واتزاناً.

ولا يتعلق الأمر بصناعة خطاب دعائي أو بتقديم صورة مثالية مصطنعة، وإنما بإتاحة المعلومات والمعرفة التي تسمح للآخر برؤية المغرب في تعدده وتعقيده، بعيداً عن الاختزال الذي تحكمه لحظات الأزمات.

وهنا تصبح القوة الناعمة جزءاً أساسياً من العلاقات الدولية.

فالدول لا تؤثر فقط من خلال الاقتصاد والسياسة والأمن، وإنما أيضاً من خلال الثقافة والإعلام والجامعة والفن والسينما واللغة والبحث العلمي وقدرتها على إنتاج روايتها الخاصة.

وفي هذا السياق، يمثل المغاربة المقيمون في إسبانيا عنصراً مهماً في بناء هذا الحضور.

فهم ليسوا مجرد موضوع في الأخبار المتعلقة بالهجرة، بل هم جزء من المجتمع الإسباني، يشتغلون ويدرسون ويستثمرون وينخرطون في مجالات مختلفة من الحياة العامة. ومن خلال العلاقات اليومية، يمكن أن تتشكل معرفة مباشرة تتجاوز الصورة المجردة التي قد تنتجها بعض العناوين الإعلامية.

فالإنسان الذي يتعرف إلى مغربي في الجامعة أو مكان العمل أو الحي أو المجال الثقافي لا يتعامل معه باعتباره رقماً أو عنواناً في نشرة إخبارية، وإنما باعتباره إنساناً له تجربة وقصة وعلاقات وطموحات.

ومن هنا، فإن الحضور المغربي في إسبانيا يمكن أن يتحول من مجرد واقع ديمغرافي واجتماعي إلى جسر للتواصل والتفاهم وبناء معرفة متبادلة.

لقد أصبحت معركة الصورة جزءاً من العلاقات الدولية الحديثة. وأصبح التأثير في الرأي العام لا يقل أهمية عن القدرة على التواصل السياسي الرسمي.

لذلك، فإن امتلاك مواقف دبلوماسية واضحة تجاه مختلف القضايا لا يكفي وحده. نحن بحاجة أيضاً إلى استراتيجية معرفية وثقافية وإعلامية طويلة النفس، قادرة على تقديم المغرب، والتفاعل مع النقاش الإسباني، والإجابة عن الأسئلة التي تهم المجتمع الإسباني، والمساهمة في النقاش العام بدل الاكتفاء بردود الفعل.

المطلوب، ببساطة، هو الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة.

أن نعرف ما يقال عنا، وأن نحلله، وأن نفهم مصادره وآلياته، ثم ننتج المعرفة والمحتوى ونبني المؤسسات والأدوات القادرة على إيصال صوت المغرب إلى الفضاء الإسباني بشكل مهني ومستمر.

فالصورة لا تتغير ببيان واحد، ولا بمقال واحد، ولا برد فعل ظرفي.

الصورة تُبنى بالتراكم، كما تُصحح بالتراكم.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: كيف يرى الإسبان المغرب؟

بل أيضاً: أي مغرب نريد أن يحضر في الوعي الإسباني؟

وما الأدوات التي نمتلكها حتى يصبح هذا الحضور أقرب إلى حقيقة المغرب بكل أبعاده وتناقضاته وتنوعه؟

إن المغرب اليوم في حاجة إلى أن يتحدث عن نفسه أكثر، وأن يتحدث إلى الآخر بلغته وأدواته ومنصاته.

فالمستقبل لا تصنعه الوقائع وحدها، وإنما تصنعه أيضاً الطريقة التي تُشرح بها هذه الوقائع، والصور التي ترتبط بها، والقصص التي تُروى حولها، وكيف تستقر في ذاكرة المجتمعات.

ومن هنا، فإن إعادة تشكيل صورة المغرب في الفضاء الإسباني لا تبدأ بمحاولة التحكم في ما يقوله الآخر، وإنما ببناء قدرة مغربية أكبر على إنتاج المعرفة، وصناعة المحتوى، وترجمة الثقافة، وتوسيع الحضور الإعلامي والأكاديمي والفني، وفتح قنوات التواصل المباشر.

إن معرفة الصورة هي الخطوة الأولى لتفكيكها، وفهم آليات بنائها هو الطريق إلى تجاوزها، أما بناء صورة أكثر عمقاً واتساعاً عن المغرب، فيمر أساساً عبر حضور مغربي دائم، مهني، متنوع، وقادر على تقديم البلد كما هو: تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً.

عبد الله بوصوف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى