فاطمة سعدي.. مسار من الميدان إلى دوائر القرار وترقب لافت لموقعها في الحكومة المقبلة.

في اللحظات التي تسبق ولادة حكومة جديدة، لا تكون الأسئلة مرتبطة فقط بعدد الحقائب وتوزيعها بين مكونات الأغلبية، وإنما تمتد إلى الأسماء التي يمكن أن تحمل مسؤولية المرحلة المقبلة، خصوصاً تلك التي راكمت تجربة سياسية ومؤسساتية تجعل حضورها في دائرة النقاش أمرا طبيعيا. وفي هذا السياق، يبرز اسم فاطمة سعدي، إحدى الوجوه النسائية البارزة داخل حزب الأصالة والمعاصرة، والتي راكمت خلال سنوات من العمل السياسي تجربة متعددة المستويات، من التدبير المحلي إلى العمل البرلماني والجهوي، وصولا إلى القيادة الوطنية للحزب.
ولعل ما يميز تجربة فاطمة سعدي أنها لم تبدأ من أعلى هرم المسؤولية، بل شقت طريقها عبر العمل الميداني والمؤسسات المنتخبة، وهو ما منح مسارها بعدا عمليا يتجاوز الخطاب السياسي المجرد. فقد ارتبط اسمها بمدينة الحسيمة، حيث سبق أن ترأست مجلسها الجماعي، قبل أن تنتقل إلى مستويات أخرى من العمل المؤسساتي والحزبي، وصولا إلى عضوية القيادة الجماعية للأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة منذ أكتوبر 2024.
ومع مرور السنوات، بدا أن السعدي تتحرك داخل المشهد السياسي بأدوار تتجاوز حدود التمثيل المحلي، لتصبح جزءا من النقاشات الكبرى التي يخوضها حزبها حول قضايا المجتمع والدولة والتنمية والمرأة والشباب. وفي الأشهر الأخيرة، ظهر حضورها بشكل أكثر وضوحا في الاستعدادات السياسية والتنظيمية للانتخابات التشريعية، كما شاركت في اللجنة التي تولت دراسة وانتقاء وكيلات اللوائح الجهوية للنساء، وهي مهمة ارتبطت بمعايير أعلن الحزب أنها تشمل الكفاءة والتجربة السياسية والتنظيمية والحضور الميداني والقدرة على الترافع.
لكن أهمية اسم فاطمة السعدي في المرحلة الحالية لا تختزل في موقعها الحزبي. فالرجل أو المرأة في السياسة لا يصنعهما المنصب وحده، وإنما تصنعهما أيضا القدرة على الانتقال بين مستويات مختلفة من تدبير الشأن العام، وفهم تعقيدات الواقع المحلي، ثم استيعاب رهانات السياسة الوطنية، ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة سعدي قائمة على تراكم متدرج يجمع بين الممارسة الانتخابية، والتدبير الترابي، والعمل التشريعي، والمسؤولية الحزبية، والتواصل السياسي.
وقد عززت تصريحاتها ومداخلاتها خلال الفترة الأخيرة هذا الحضور، خصوصا في الملفات المرتبطة بالشباب والمرأة والتنمية وقضايا الريف، ففي يوليوز 2026، تحدثت سعدي عن تطلع حزب الأصالة والمعاصرة إلى انفراج في ملف حراك الريف وفتح صفحة جديدة تخدم تنمية المنطقة، وهو موقف وضعها مجددا في قلب نقاش سياسي يرتبط بشكل مباشر بالمنطقة التي تنحدر منها.
وبالتوازي مع ذلك، برز حضورها في قضايا المرأة والشباب باعتبارهما من الملفات التي تحظى بمكانة واضحة في خطابها السياسي. ففي لقاء حزبي خلال يوليوز الماضي، شددت على أن الاستثمار في الشباب يمثل رهانا استراتيجيا، فيما أكدت في مناسبة أخرى أن تمكين المرأة ينبغي ألا يتوقف عند حدود التشغيل، بل يمتد إلى الاستقلالية وصناعة القرار والحضور في مواقع المسؤولية.
ومع تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، عاد النقاش بقوة حول الوجوه التي يمكن أن تنتقل من مواقعها الحزبية إلى مواقع المسؤولية التنفيذية. وهنا تحديدا بدأ اسم فاطمة سعدي يثير اهتمام عدد من المتابعين، خصوصا في منطقة الحسيمة والريف، حيث ينظر جزء من الرأي العام إلى إمكانية حضور شخصية من المنطقة داخل الحكومة باعتبارها تطورا سياسيا ذا دلالة، في حال اختارت القيادة السياسية إسناد مسؤولية حكومية إليها.
ولا يتعلق الأمر، في هذا السياق، بمجرد الرغبة في تمثيل جغرافي أو رمزي، وإنما بما راكمته السعدي من تجربة يمكن أن تضعها ضمن الأسماء التي تستحق المتابعة عند مناقشة التشكيلة الحكومية المقبلة. فالمسؤولية الوزارية، في نهاية المطاف، تحتاج إلى معرفة بالمؤسسات، وقدرة على التواصل، وتجربة في تدبير الملفات، وفهما للتوازنات السياسية والإدارية، وهي عناصر تتقاطع بدرجات مختلفة مع المسار الذي راكمته خلال السنوات الماضية.
ومن هنا، فإن تطلع جزء من الرأي العام إلى رؤيتها داخل الحكومة المقبلة يمكن قراءته أيضا باعتباره انتظارا لتمثيل نسائي أكثر حضورا في مواقع القرار، وانتظارا آخر من جهة طنجة-تطوان-الحسيمة لأن تجد كفاءاتها السياسية والمؤسساتية موقعاً داخل دوائر المسؤولية الوطنية.
ومع ذلك، تبقى حقيبة فاطمة السعدي الوزارية، إلى حدود الإعلان الرسمي عن التشكيلة الحكومية، في خانة الترقب وليس المعطى المحسوم. فاختيار الوزراء يخضع للمشاورات السياسية وللاعتبارات المرتبطة بالقطاعات الحكومية وتوزيع المسؤوليات، ولا يمكن استباق القرار الرسمي.
ما هو مؤكد أن فاطمة السعدي باتت تمتلك مسارا سياسيا يجعل اسمها حاضرا في النقاش حول المرحلة المقبلة: من الحسيمة التي شكلت نقطة انطلاق تجربتها، إلى المؤسسة المنتخبة، فالبرلمان والعمل الجهوي، ثم القيادة الوطنية لحزب الأصالة والمعاصرة. وبين محطة وأخرى، تشكلت شخصية سياسية اختارت أن تجعل من الحضور الميداني والعمل المؤسساتي مدخلاً لبناء تجربتها.




